وُلد بمكة نحو سنة ٥٧٠ للميلاد، في بلدةِ تجارةٍ في وادٍ لا نهر فيه ولا زرع ولا مَلِك. مات أبوه قبل مولده، وماتت أمه وله ست سنين. كفله جدّه ثم عمه، وعمل: رعى الغنم أولًا، ثم اتّجر.
وفي ثلاثينه كان أهل مكة قد لقّبوه الأمين. وهذا موضعُ وقوف؛ فإن الذين لقّبوه بذلك هم الذين أخرجوه من البلد بعدُ. لم يشكّوا في صدقه، وإنما أنكروا ما قال.
ما الذي قاله
في الأربعين بدأ يقول لمكة إن أصنامها الثلاث مئة والستين لا شيء، وإن الله واحد، وإن الغني مسؤول عن الفقير، وإن كل نفس، العبد والسيد سواء، تقف بين يدَي حسابٍ واحد.
وكان اقتصاد مكة قائمًا على الحجّ إلى تلك الأصنام؛ فلم تكن الدعوة منكرةً في العقيدة فحسب، بل مُكلِّفةً في المال. فكان ما كان: عَشرٌ من السخرية، وحصارٌ اقتصاديٌّ لبني هاشم جميعًا، وتعذيبٌ لضعفاء أصحابه، ثم تدبيرٌ لقتله.
ولم يُقدّم معجزةً تحسم الخصومة؛ وحين طُلبت منه كان الجواب القرآن نفسه.
المدينة
في سنة ٦٢٢ خرج إلى يثرب، فسُمّيت المدينة. قدِمها مهاجرًا فطُلب إليه أن يحكم.
فأول ما بنى مسجدًا من طينٍ وجُذوع نخل، وأرضُه حَصباء. وثاني ما كتب صحيفةً تُلزم قبائل المدينة من المسلمين واليهود والمشركين أن يكونوا أمةً واحدة في الدفاع، كلٌّ على دينه. وهي من أقدم ما كُتب في بابه.
ثم كانت في العشر التالية غزوات: بدرٌ وأُحُدٌ والخندق، وكانت معاهدات. وصلحُ الحديبية أدلُّ من الغزوات كلها؛ فقد قبل شروطًا رآها أصحابه غضاضةً، ومنها أن يرجع عن مكة دون أن يدخلها، في مقابل هدنة. وسأله أحدهم صريحًا: أليس على الحق؟ فقال: بلى. وأمضى الصلح.
الرجوع
في سنة ٦٣٠ دخل مكة في عشرة آلاف. والبلدُ الذي حاصره وعذّب أصحابه وأخرجه صار لا يملك دفعًا.
فأعلن العفو العام. الذين قتلوا أصحابه، والتي مثّلت بجسد عمه، والشعراء الذين هجَوه عشرين سنة، أُطلقوا جميعًا. سأل أهل مكة: ما تظنون أني فاعل بكم؟ ثم أخبرهم أنهم طُلَقاء.
ثم قصد الكعبة فأخرج ما فيها من الأصنام.
الخُلُق الذي وصفه به معاصروه
ما نُقل عن هيئته في نفسه دقيقٌ على غير المعتاد، لأن من حوله رأوا صغار التفاصيل أهلًا للتسجيل.
- لم يكن يأكل متكئًا، ولم يَعِب طعامًا قُدّم إليه قطّ.
- كان يخدم نفسه: يخصف نعله، ويرقع ثوبه.
- كان يسلّم على الصبيان ويمازحهم، ويعرف كُناهم.
- إذا أتاه أحدٌ يكلّمه أقبل عليه بجسده كله، ولم ينزع يده من يد مصافحه حتى ينزعها الآخر.
- نهى عن سبّ الخادم، وحين ضرب رجلٌ خادمه أُمر بعتقه.
- قطع عليه أعرابيٌّ خطبته يسأل مسألةً بديهية، فوقف وأجابه ثم عاد إلى خطبته.
- لم يترك يوم مات إلا بغلته وسلاحه وأرضًا كان جعلها صدقة.
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ
وسُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلُقه فقالت كلمةً يعيدها المسلمون منذئذ: كان خُلُقه القرآن. لا أنه علّمه فقط، بل أنه كان هو ما وصفه.
ما يفعله المسلمون به وما لا يفعلونه
لا يُعبد ولا يُدعى؛ ومن دعاه فقد وقع في عين ما جاءت الرسالة لتنقضه. وقد قال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».
والذي يفعله المسلمون أن يصلّوا عليه إذا ذُكر، ومن ثَمّ ترى «ﷺ» في هذا الموقع، وأن يجعلوا هيئته تفسيرًا عمليًّا لكيف يُعاش القرآن. وذلك معنى الأُسوة، وهو الميزان الذي كُتب به سائر هذا الموقع.
آخر تحديث ٢١ أغسطس ٢٠٢٦